محمد جمال الدين القاسمي
62
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
وقد روى ابن جرير « 1 » عن ابن سيرين ، أن الخلفاء كانوا يتوضؤون لكل صلاة . و عن عكرمة : أن عليّا - رضي اللّه عنه - كان يتوضأ عند كل صلاة ، ويقرأ : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الآية ، وعن النزال بن سبرة قال : رأيت عليّا صلى الظهر . ثم قعد للناس في الرحبة . ثم أتى بماء فغسل وجهه ويديه . ثم مسح برأسه ورجليه وقال : هذا وضوء من لم يحدث ، وفي رواية : إنه توضأ وضوءا فيه تجوّز فقال : هذا وضوء من لم يحدث ؛ وكذا حكى أنس عن عمر انه فعله ، والطرق كلها جيدة . وأما ما رواه أبو داود الطيالسي عن سعيد بن المسيب أنه قال : الوضوء من غير حدث اعتداء - فهو غريب عنه . ثم هو محمول على من اعتقد وجوبه ، وأما مشروعيته استحبابا فقد دلت السنة على ذلك . روى الإمام أحمد عن أنس قال : كان النبيّ صلى اللّه عليه وسلم يتوضأ عند كلّ صلاة . قيل له : فأنتم كيف تصنعون ؟ قال : كنا نصلي الصلوات كلها بوضوء واحد ما لم نحدث ! ورواه البخاري « 2 » وأهل السنن أيضا . و روى أبو داود « 3 » والترمذي وابن ماجة وابن جرير عن ابن عمر مرفوعا : من توضأ على طهر كتب له عشر حسنات . وضعفه الترمذي . وإذا دلت هذه الأحاديث على أن الوضوء لا يجب إلّا على المحدث ، فالوجه في الخروج من ظاهر الآية ، أن الخطاب فيه خاص بالمحدثين . وفي ( العناية ) : الإجماع صرفها عن ظاهرها . فأما أن تكون مقيدة - أي وأنتم محدثون - بقرينة دلالة الحال ، ولأنه اشترط الحدث في البدل وهو التيمم - فلو لم يكن له مدخل في الوضوء ، مع المدخلية في التيمم ، لم يكن البدل بدلا . وقوله فَلَمْ تَجِدُوا ماءً صريح في البدلية . وقيل : في الكلام شرط مقدر . أي : إذا قمتم إلى الصّلاة . إن كنتم محدثين . وإن كنتم جنبا فاطهروا . وهو قريب جدّا . انتهى . وزعم بعضهم ؛ أن الوجوب على كل قائم للصلاة كان في أول الأمر ثم نسخ . واستدلّ على ذلك بحديث عبد اللّه بن حنظلة المتقدم . ونظر فيه بحديث : ( المائدة من آخر القرآن نزولا ) وأجيب بأن الحافظ العراقي قال : لم أجده مرفوعا . هذا ، وقال
--> ( 1 ) الأثر رقم 11324 . ( 2 ) أخرجه البخاري في : الوضوء ، 54 - باب الوضوء من غير حدث ، حديث 163 . ( 3 ) أخرجه أبو داود في : الطهارة ، 32 - باب الرجل يجدد الوضوء من غير حدث ، حديث 62 . والترمذي في : الطهارة ، 44 - باب الوضوء لكل صلاة . وابن ماجة في : الطهارة ، 73 - باب الوضوء على الطهارة ، حديث 512 .